الفيض الكاشاني
38
نقد الأصول الفقهية
ثمّ المشهور بين المتأخرين انّ مراسيل ابن أبي عمير في قوّة المسانيد ، فإن كان اعتمادهم فيه على ذلك الاجماع كما نقله الكشي في حقّه فقد عرفت ما فيه ، مع انّه لا وجه لتخصيص هذا بابن أبى عمير كما هو ظاهر جماعة منهم ، وإن كان غير ذلك فلا نعرفه ، وعليهم أن يبيّنوا مأخذه حتى نتكلّم عليه على أنّ ابن أبي عمير يروى عن مائة رجال من أصحاب الصادق - عليه السّلام - وفيهم ضعفاء ومجاهيل . فلو أرسل كان الامر مردّدا بينهم ومن أين لنا انّ المروى عنه هناك ثقة . وقد اعترف المحقّق الشيخ نجم الدين الحلّى - طاب ثراه - بذلك في المعتبر « 1 » حيث قال في مباحث سنن الوضوء : « ولو احتجّ محتجّ بما رواه ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - إلى أن قال : كان الجواب الطعن في السند بالإرسال . فان قال : مراسيل ابن أبي عمير يعمل بها الأصحاب . قلنا : منعنا ذلك لأنّ في رجاله من طعن الأصحاب فيه وإذا ارسل احتمل أن يكون الراوي أحدهم » . هذا كلامه طاب ثراه . تنبيه آخر - وينبغي أن يعلم أنّ من الرواة المخصوصين بواحد من الأئمة المعصومين - صلوات اللّه عليهم - من يعلم من ظاهر حاله انّه لا يسأل شيئا من الاحكام بحيث يعتقده ويرويه الّا عن ذلك الامام - عليه السّلام - لثقته وجلالة قدره كزرارة ومحمد بن مسلم وعلي بن مهزيار واضرابهم . فمن هذا شأنه فمضمراته في قوّة المصرّحات لتعيّن المسؤول عنه فلا يخرج بذلك عن الصّحاح . بل قيل يستفاد من كتب المتقدّمين انّ الاضمار في مثل هذه الأحاديث إنّما يحصل من قطع الاخبار بعضها من بعض . فانّ الراوي كان يصرّح باسم الامام الذي روى عنه في أوّل الروايات ، ثم قال « وسألته عن كذا » إلى أن يستوفى الروايات التي رواها عن ذلك الامام - عليه السّلام - فلمّا حصل القطع توهّم الإضمار فينبغي التنبيه لذلك . تنبيه آخر - وليعلم أنّ من الرواة من يروى حديثا عن أحد بغير واسطة تارة ، ويروى ذلك الحديث بعينه عن ذلك المروى عنه بواسطة أخرى . وقد يظنّ انّ ذلك موجب لاضطراب فيه ، لأنّه غير جازم بأنّه ممّن يروى ، فيجب أن يردّ حديثه . وأنت تعلم انّ تعدّد سماعه ممكن ، فلم لا يجوز أن يكون سماعه منه تارة على سبيل المشافهة وتارة على سبيل النقل وهذا غير موجب للردّ كما لا يخفى . تدارك - كلّما ذكرناه من الشروط في قبول أخبار الآحاد والاختلاف فيها فانّما يجرى فيما يتعلّق بأحكام الحلال والحرام ، دون ما يتعلّق بنحو القصص والمواعظ وفضائل الأعمال . فانّ الحق قبولها في أمثال ذلك كائنا ما كان . اللّهم إذا بلغ الضعف حدّ الوضع والاختلاف ، وكان ذلك مفهوما
--> ( 1 ) - المعتبر 1 : 41